محمد بن محمد ابو شهبة
207
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
في كفالة جده عبد المطلب وبعد موت أم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كفله جده عبد المطلب ، وضمّه إليه ، ورقّ عليه رقّة لم يرقّها على ولده ، وكان يقربه منه ويدنيه ، ويدخل عليه إذا خلا ، وإذا نام ، ولا يأكل طعاما إلا يقول : « عليّ بابني » فيؤتى به إليه ، وبذلك عوّضه اللّه بحنان جده عن حنان الأبوين ، وكانت حاضنته بعد وفاة أمه هي أم أيمن « 1 » ، وكان النبي لما كبر يعرف لها ذلك ويقول : « هي أمي بعد أمي » وكان عبد المطلب كثيرا ما يقول لها : يا بركة لا تغافلي عن ابني ، فإني وجدته مع غلمان قريب من السدرة ، وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني هذا نبيّ هذه الأمة . وكان الجد يسر لما يرى من مخايل الشرف والعزة على حفيده محمد ، فقد كان لعبد المطلب فراش يوضع في ظل الكعبة ، وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له ، فكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يأتي وهو غلام يافع فيجلس عليه ، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه ، فيقول عبد المطلب ، والغبطة تملأ نفسه : « دعوا ابني ، فو اللّه إن له لشأنا ! ! » ثم يجلسه معه على فراشه ، ويمسح ظهره بيمينه ، ويضمّه إليه . فلما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى ابنه أبا طالب « 2 » بكفالة النبي وحياطته ، ثم مات عبد المطلب ، ودفن بالحجون ، وكانت سن النبي ثماني سنين . كفالة عمه أبي طالب له ثم كفله عمه أبو طالب ، ولم يكن أبو طالب بأكبر بني عبد المطلب ، ولا بأكثرهم مالا ، ولكنه كان أشرف قريش وأعظمها مكانة ، وأكرمها نفسا ، وقد أحب أبو طالب ابن أخيه محمدا حبا شديدا ، لا يحبه أحدا من ولده ، فكان
--> ( 1 ) هي بركة الحبشية بنت ثعلبة بن حصن كانت لأبيه ، ثم انتقلت إليه ، أسلمت قديما ، وهاجرت الهجرتين ، وقد صح أنها ماتت بعده صلّى اللّه عليه وسلّم بخمسة أشهر ، وقيل بسنة ، وقيل في خلافة عمر ، وقيل في خلافة عثمان . ( 2 ) لأن أبا طالب كان أخا شقيقا لعبد اللّه .